مصطلح السيميائية والترجمة
مقاربة تأصيلية,إجرائية
د.باديس فوغالي
كلية الآداب والعلوم الاجتماعية والإنسانية
جامعة العربي بن المهيدي.أم البواقي
بحث قدم في فعاليات الملتقى الدولي الثاني
التأليف المعجمي بين الراهن والمأمول
المنعقد بالبليدة .الجزائر.يومي 14 و15 أفريل 2010
لو حفرنا قليلا في المتون التراثية العربية القديمة لألفينا جملة من المعطيات يمكن أن تنير لنا بعض المعالم التي صارت لا تتضح لنا بالشكل الواضح إلا من خلال الوافد الخاضع للصنع والمنشأ من محصلات اجتماعية ونفسية ,بل ومن منظومة سوسيو ثقافية كاملة,ومختلفة.
وبالتحديد لو تم هذا الحفر في التراث اللغوي بغية مقاربة تحديدية للمصطلح في حقل الإنسانيات,وحصرنا الأمر فيما بعد في دائرة النقد,لألفينا أنفسنا إزاء مسألة نشأة اللغة والأصوات.
نختصر باقي المسافات التي اشتملت هذه المسألة,ونباشر العملية مع اللسانيين القدامي وأولهما ابن جني المتوفى عام 392ه ,والذي يرد منشأ اللغة إلى الأصوات المسموعة ,ويعدها حسب مايرى أصواتا مسموعة[1]
بمعنى تعبر عن غايات صوتية سماعية,علما أن الصوت له دلالة تأثيرية في الدماغ ينتج عنها تحول المسموعات إلى مرئيات ,مدركات,أي أن الأمر حسب رأيه ينشد غايات معينة وفقا لمكونات,وتشكل الأصوات,وتآلفها مع بعضها ..إلخ
بعده يخطو فخر الدين الرازي المتوفى عام 606 ه خطوة إضافية نوعية في مقاربة المسألة فينظر إليها من زاوية أخرى أكثر فعالية لكنها مؤسسة على اقتراح ابن جني ومفيدة منه,حيث يرى أن (الإنسان الواحد وحده لا يستقل بجميع حاجاته,بل لا بد له من التعاون,ولا تعاون إلا بالتعارف,ولا تعارف إلا بأسباب كحركات أوإشارات أو نقوش,أو ألفاظ توضع إزاء المقاصد …)[2]
من هذا المنطلق تتحدد وظيفة الإشارة التي تستلزم عنصرين أساسين في كل لفظة وهما الدال والمدلول سواء تعلق الأمر بالملفوظ اللساني كأن نقول شجرة ,أو رسم ما كأن نقول إشارات المرور,أو غير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي تتعدد بحسب مستعمليها, لكنها تلتقي في المفهوم,مادام الدال المقصود واحدا ,وإن اختلف التعبير عنه .
وفي جميع الأحوال,ومهما تعدد المدلول,فإن الدال الصوتي,أوالسمعي,أوالخطي يظل يقصد الغاية ذاتها.
جذور المصطلح في الأدب الأوروبي القديم:
يرى د.عبد الجليل مرتاض في ضوء ما توصل إليه المتخصصون في هذا الميدان منذ بداية القرن العشرين أن أصل كلمة " سيموطيقا",أو" سيمولوجية" يعود إلى الكلمة اليونانية القديمة" سيميون sémeion ",التي تعني علامة logos ,أي الخطاب ,وهذا النوع من الكلمات المتقاربة كما يقول يوجد في الكثير من المواد العلمية كـ :
Biologie (علم الأحياء)
Sociologie (علم الاجتماع)
Théologie (علم الأديان)
Zoologie (علم الحيوان)
وكأن كلمة خطاب "logos " تحولت حسب رأيه بالتعميم ,حتى صارت تعني "علم" ,وهكذا أصبحت السيمولوجية تعني "علم الأصوات,أو"علم الإشارات",أوعلم "الرموز"[3].
فمصطلح السيميولوجية sémiologie إذن مشتق من لفظة ذات أصل يوناني هي sémion,كما سبقت الإشارة إليه,أما من حيث تركيب المصطلح,فهو منحوت من لفظتين,هما:
Sémion,وتعني علامة,و logosوتعني العلم,أي علم العلامات.
جذور المصطلح في التراث العربي
للوقوف على الجذور التراثية لهذه اللفظة التي يلح أغلب الدارسين أنها وفدت علينا من الغرب من خلال الجهود التي بدلها اللسانيون الغربيون,وكذا المهتمون بعلم السرد نحاول الحفر في المعاجم العربية القديمة,وكذا ماورد في القرآن الكريم,وما تردد في المتن الشعري العربي القديم,لعنا نلفي ما يمكننا أن نستند إليه ونأتنس به للدلالة على أن مصطلح السيميائية كان معروفا لدى الذاكرة العربية .
ففي القرآن الكريم ورد في قوله تعالى (.. سيماهم في وجوهم من أثر السجود..)[4] ,أي بمعنى علامات الإيمان بادية على وجوه المؤمنين, وكذلك قوله:( ولو نشاء لأريناكم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم)[5],أي علاماتهم التي نسمهم بها.
فالسيمة في الآيتين الكريمتين جاءت في سياقين مختلفين بمعنى العلامة التي تسم الشخص فتتضح معالمه من خلالها.
أما في المعاجم فنورد ما جاء في جمهرة ابن دريد (السيماء والسيمى,والسيمياء واحد هي العلامة )[6],كما جاء في موضع آخر(الوسم أثر النار في الإبل وغيرها …والوسيم من قولهم : رجل وسيم بين الوسامة)[7].
وما جاء في شعر النقائض قول جرير يهجو خصومه الثلاثة: الفرزدق ,البعيث والأخطل في بيت واحد قوله:
لما وضعت على الفرزدق ميسمي ضغى البعيث جذعت أنف الأخطل
والميسم أداة تكوى بها الإبل ,أوالماشية لتعلم,فيعرفها أصحابها.
وقد استحضر د.عبد الجليل مرتاض ما جاء به صاحب الصحاح في سياق عرضه لمادة س.م.ي مستشهدا بقول الشاعر:
غلام رماه الله بالحسن يافعا له سيمياء لا تشق على البصر
أي من يقع عليه بصره يبتهج لحسنه وبهائه[8].
واعتبارا للمعاني والدلالات التي وردت في القرآن الكريم وفي بعض المعاجم اللغوية العربية,وكذا بعض الشواهد الشعرية العربية,فإن( كلمة السيميا العربية التي تقابل السيموطيقيا,أوالسيمولوجيا اليونانية كلمة عربية أصلا وفرعا ومولدا ,بدليل الاشتقاقات المختلفة التي جاءت بها من جهة,وكثرة النصوص الفصيحة الرسمية التي وظفت فيها دالا ومدلولا,سواء أشارت إلى ما يدل على العلامة بطريق مباشر,أوعلى اقتراب من ذلك المعنى من جهة أخرى)[9].
غير أننا لانتعسف ونحسب أن لفظة السيمياء التي استشهدنا بحضورها في القرآن الكريم أو في تلك الشواهد التراثية هي تلك التي استخدمت كمصطلح نقدي يعنى بدراسة النصوص السردية في النقدين الغربي والعربي الحديثين على السواء ,وإنما أردنا أن نشير إلى أن هذا المصطلح كان متداولا بالمعنى نفسه التي توظفه,وتستثمره الدراسات السردية الحديثة,
فالمصطلح ونظرا لوظيفته الإجرائية وخصوصيته التواصلية ينطوي على سيمة التجريد التي تمنحه مرونة في الأداء والفعالية,ولو تنوعت اللغات التي تشتغل عليه وتستثمره في تحليل النصوص السردية أو غيرها.
إنه "كلمة أو مجموعة من الكلمات، تتجاوز دلالاتها اللفظيةوالمعجمية إلى تأطير تصورات فكرية وتسميتها في إطار معين، وتقوى على تشخيص وضبطالمفاهيم التي تنتجها ممارسة ما في لحظات معينة.
إن المصطلح بهذا المعنى هو الذييستطيع الإمساكبالعناصر الموحدة للمفهوم,والتمكن من انتظامها في قالب لفظي يمتلكقوة تجميعية,وتكشيفيه لما قد يبدو مشتتا في التصور [10].
فالمصطلح إذن ينبغي أن لا يبقى مأسورا في معناه المعجمي الصادر عن جذره اللغوي,بل نراه يتمتع بخصوصية مرنة تمكنه من تجاوز دلالته اللفظية المعجمية إلى دلالات تأويلية جديدة لم يكن يقصدها في أصله,لكنه يستند في قوته الابستمولوجية عليه ليعانق مختلف الحقول المعرفية المؤهلة للدرس والتحليل.
ولذا نلفي لفظة سيميا تتدحرج من مفهومها التأصيلي اللغوي إلى دلالات اصطلاحية تتسم بالانحسار والدقة,وفي هذه المرحلة ترقى اللفظة إلى المصطلح الذي يواكب منظومة فكرية وجمالية ما,فيغدو وسيطا لمختلف اللغات,والثقافات كجامع مشترك في الدلالة الرمزية يفهم من دلالته,ووفقها تتم معالجة النصوص الإنسانية سواء أكانت شعرا,أم نثرا,أم لوحة,أم نحتا,أم موسيقى…إلخ.
علما أنه كلما تم التحكم في المصطلح,كلما صار التحكم في المعرفة المراد إيصالها أكثر عمقا وتماسكا,حيث يبرز بوضوح الانسجام والتكامل بينه وبين المنهج المعتمد.
غير أن ثمة خلطا نلمسه في التعامل مع المصطلح النقدي يتجلى في التباين والتداخل مع مصطلحات أخرى,وكذا القفز على المعطيات الدلالية بسبب عدم الانسجام وتوحيد هذا المصطلح أو ذاك من قبل المشتغلين على المصطلح من جهة,وكذا النقاد الذين يتساهلون في تعريب أو ترجمة أو نقل هذا المصطلح أو ذاك دون العودة إلى خاصية التكامل بين المصطلح والمنهج المعتمد.
مصطلح السيميائية والنقد الحديث:
لقد عرف النقد العربي مجموعة من الآليات القرائية للنصوص بفعل المثاقفة,والانفتاح المعرفي,والمنهجي على النقد الغربي.
من بين أهم هذه الآليات المنهجية,منهج السيميائية,ونظرا لكونه جاء متأخرا بالقياس إلى المناهج النقدية الأخرى ,وكذا فاعليته المتعددة إذ يمكن أن تتجاوز مجالات تطبيقه وتتسع إلى السينما,الإشهار,الأزياء,الرسم بكل أشكاله,النحت ,الموسيقى….إلخ
ولابد في هذا السياق تجاوز الحديث عن جدوى فاعلية هذا المنهج الذي يسر آفاقا رحبة لدراسة النصوص السردية,والوقوف عند المصطلح,لكون المصطلح ونظرا لوظيفته الإجرائية الخطيرة في تأويل النصوص,وقراءاته المنتجة وفقا للآليات الجديدة,يعد أهم المسائل الشائكة التي تُطرح في ميدان السيميائيات، إذ ما زال يعاني الفوضى والاضطراب.
مصطلح السيميائية في النقد الغربي
نلفي معظم الدارسين المهتمين بميدان السرديات وفقا لمنهج السيميائية يستخدمون مصطلحيِ "السيميوطيقا" و"السيميولوجيا" على سبيل الترادُف.
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ