Yahoo!

شرفات الكلم          مدونة نقدية وإبداعية

                            
للباحث الأديب باديس فوغالي

منبر شخصي لإفضاء ماتفيض به الذاكرة والمخيال من ألق الكلم المنبجس من زهريات الشرفات يسهم في فضائه بجملة من دراسات وأبحاث نشرت في عديد المجلات الأكاديمية في الجزائرو خارجها خدمة للباحثين والقراء


 

وجهة نظر حول مصطلح (الأدب الاستعجالي)

كتبهاباديس فوغالي ، في 10 سبتمبر 2008 الساعة: 15:31 م

 

 لقد غدا المفهوم الاصطلاحي لكثير من المسائل النقدية في ميدان البحوث الإنسانية مثار جدل في أوساط النقاد والمشتغلين في حقل الإنسانيات بوجه عام ونظرا للأهمية التي ينطوي عليها وكذا قدرته علي حسم الإشكالات المعقدة وترويض المفاهيم الغائمة نلفي دوائر النقاش الفكري تنشط حوله،وكلما تعمق النقاش وتعدد كلما اكتسى المصطلح قيمة علمية تنبىءعن  يقظة في الفكر ووعي بما تعج به الساحة من تنوع وثراء.

فالمصطلح عادة ما يختزن بصورة اختزالية قضايا أدبية جوهرية لها علاقة وطيدة بالركام المعرفي الحاصل نتيجة النشاط الفكري ،وآليات التجديد في التعامل مع قضايا الهم الإنساني،لذا لايحسم بوجهة نظر واحدة ولو صدرت عن ذي باع طويل في حقل الاهتمام أو الاشتغال،كما لا يتبلور في صورته النهائية إلا بعد نقاش عميق ومتعدد, وإذا كان المصطلح يتم بسهولة التحكم في الميادين العلمية التطبيقية فإنه ليس كذلك إذا ارتبط بالمعارف العامة والعلوم الإنسانية التي تخضع عادة لمختلف التأويلات انطلاقا من الرؤى المحكومة بالوعي الجمالي وإجراءات التطبيق لذا نلفي العديد من المصطلحات النقدية في ميادين شتى من العلوم الإنسانية غير قادرة علي الصمود ،إذ كثيرا ما يخبو وهجها الفكري تحت مطرقة التوظيف العشوائي ،فتتلاشى,أو تتمحي تحت طائلة الاستخدام غير المؤسس .

انطلاقا من هذه الحقيقة نلفي أنفسنا محاصرين بجملة من الأسئلة ألخصها فيما يأتي:

- هل يسن لنا حقا أن نقر بها سمي الأدب الإستعجالي,وندرجه ضمن المصطلحات الأدبية التي يحفل بها المشهد النقدي الراهن؟

- وهل تساوقت هذه التسمية مع شيوع ظاهرة فنية أو أدبية معينة؟ وإذا كان الأمر كذلك ، فما هو المسار الزمني الذي تبلور في ثناياه؟ إلى غيرها من الأسئلة المشروعة في هذا السياق.

   إن وصف الكتابات الفورية التي عانقت ،وتمثلت الواقع في فترة ما دون امتلاكه بما وصف بـ الأدب

الاستعجالي لا يستند ـ حسب رأي ـ إلي سند نقدي يؤهله لأن ينهض بجملة من القيم تعمق مدلوله أو تبطل مسوغاته.

لذا أعد هذه التسمية تسمية مغرضة ناجمة عن حس انطباعي حول فيض من الكتابات أفرزتها الساحة ،لا علاقة لها بالمصطلح النقدي الرصين.

فلو عدنا إلي مختلف الاتجاهات الأدبية التي عرفتها الإنسانية علي مر التاريخ منذ سوفوكليس, وبوربيددس و اسخيلوس إلي امرىْ القيس ,والأعشى و صولا لهيمينقواي ,و تولستوي ,وآلان روب غرييه, فنجيب محفوظ وحنامينة،وغسان كنفاني ,وابن هدوقة ,والطاهر والطار, رشيد بوجدرة لتلمسنا بما لايثيرفجوة من الريب مدى قوة إحساس أولئك إزاء موضوعاتهم, ومركز انشغالاتهم الإبداعية.

فليس ما يستجيب إلى المثير بشقيه الداخلي والخارجي كتابة وإفراغا يمكن تصنيفه استعجاليا, لأن التسمية تنطوي على استخفاف بما كتب في زمن قياسي , وتحاول التشكيك في قيمته الفنية, وإذا سلمنا فرضا بهذا الزعم, فما عسانا أن نقول عن روائع امرئ القيس, الذي صنف ضمن شعراء الفطرة, وحجم ديوانه ثلاثة أضعاف حجم ديوان زهير بن أبي سلمى شاعر الحكمة, والمنضوي ضمن شعراء الاتجاه الأوسي أو شعراء الصنعة والتروي.

فلا يحق لأي منا أن يصم ما أنتج في العشرية السابقة مثلا أو ما ينتج اليوم بالعجلة والتسرع , لأن الأدب إذا غمر الأديب فاض على كامل جوارحه, بل ينبغي علينا ترك هذه التجارب تأخذ وقتها في الواقع الأدبي , والزمن وحده كفيل بعد ذلك بترسيخها منحى أدبيا ناهضا على أسس ومعايير متقاطعة ومتكاملة ,أو طيها ضمن ملف النسيان.

فالظاهرة إذن ـ كما أتصور ـ صحية , ولاداع للتحفظ مما كتب أو يكتب دون التفريط طبعا في المعايير الفنية للعمل المنتج, لأن العمل العميق, الممتع,والمفيد سوف يثبت,وأما العمل المحنط, المبتذل ,الفارغ فمآله الزوال والذوبان.

فالتسمية إذن مشينة تحيل إلى عدم الاعتراف بما كتب في مرحلة ما في ظرف قياسي, ولا أريد هنا أن أشير إلى هذا أو ذاك بقدر ما أود إعطاء وجهة نظري حول مشروعية ,أوعدم مشروعية رواج هذا المصطلح , وطرحه كإشكالية للنقاش.

ولعل أهم الدوافع التي سمحت لطفح هذا المصطلح إلى سطح المناقشة تتلخص فيما يأتي:

ـ التباعد الزمني بين جيل كان بالكاد يصدر عملا أدبيا لأسباب عديدة منها الاقتصادية ,والسياسية,وأحيانا الفنية, وجيل ممتلئ ومتشبع بمختلف الثقافات همه أن يبادر إلى إصدار العمل ليتفرغ إلى غيره, إضافة إلى مغالبة مروجي هذه التسمية الزمن بإطلاقها على الكتابات الجديدة بدافع غير موضوعي,كذا تعمد إثارتها,بغرض كبح وثيرة النشر التي تعرفها المرحلة.

بعد هذا أجدني أرفض متواضعا هذه التسمية الأدب الاستعجالي كمصطلح نقدي يصف عينة معينة من النصوص الإبداعية , وذلك لغياب الشروط الموضوعية والجمالية, وكذا الحيثيات التي تدفع عادة المصطلح إلى البروز , وتمنحه شرعية الاستخدام والتأصيل.        

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك